عبد الله بن أحمد النسفي
69
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
الفرّاء « 1 » لا أبدلت ألفها نونا ، وعند سيبويه حرف موضوع لتأكيد نفي المستقبل ، وإنّما علم أنّه إخبار عن الغيب على ما هو به حتى صار معجزة ، لأنّهم لو عارضوه بشيء لاشتهر فكيف والطاعنون فيه « 2 » أكثر « 3 » من الذّابّين عنه . وشرط في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله ، لأنّهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة صحّ عندهم صدق الرسول ، وإذا صحّ عندهم صدقه ، ثم لزموا العناد وأبوا الانقياد استوجبوا النار ، فقيل لهم إن استبنتم العجز فاتركوا العناد ، فوضع فاتقوا النار موضعه ، لأنّ اتقاء النار سبب ترك العناد ، وهو من باب الكناية ، وهي من شعب البلاغة ، وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية « 4 » القرآن . والوقود ما ترفع به النار يعني الحطب ، وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح . وصلة الذي والتي تجب أن تكون معلوما للمخاطب فيحتمل أن يكونوا سمعوا من أهل الكتاب ، أو من رسول اللّه ، أو سمعوا قبل هذه الآية قوله تعالى : ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ « 5 » وإنّما جاءت النار منكّرة ثمّ ومعرفة هنا لأنّ « 6 » تلك الآية نزلت بمكة ، ثم نزلت هذه « 7 » بالمدينة مشارا بها إلى ما عرفوه أولا . ومعنى قوله تعالى : وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ ، أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران بأنّها تتّقد بالنّاس والحجارة وهي حجارة « 8 » الكبريت ، فهي أشدّ توقدا ، وأبطأ خمودا ، وأنتن رائحة ، وألصق بالبدن ، أو الأصنام المعبودة ، فهي أشدّ تحسرا « 9 » ، وإنّما قرن النّاس بالحجارة لأنّهم قرنوا بها أنفسهم في الدّنيا حيث « 10 » عبدوها وجعلوها للّه أندادا ونحوه قوله تعالى : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ « 11 » أي حطبها فقرنهم بها محمّاة في « 12 » نار جهنم إبلاغا في إيلامهم أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ هيئت لهم ، وفيه دليل على أنّ النار مخلوقة خلافا لما يقوله جهم . سنة اللّه في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب تنشيطا لاكتساب ما يزلف ، وتثبيطا عن اقتراف ما يتلف ، فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب قفّاه بذكر المؤمنين وأعمالهم وتبشيرهم بقوله :
--> ( 1 ) الفرّاء : يحيى بن زياد الديلمي ، أبو زكريا ، إمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو وفنون الأدب ، ولد عام 144 ه ومات عام 207 ه ( الأعلام 8 / 146 ) . ( 2 ) زاد في ( ظ ) أي القرآن . ( 3 ) في ( ز ) أكثر عددا . ( 4 ) في ( ظ ) من جبلة . ( 5 ) التحريم ، 66 / 6 . ( 6 ) سقطت من ( ظ ) . ( 7 ) زاد في ( ظ ) و ( ز ) الآية . ( 8 ) سقط من ( ظ ) من إنها نار . . . إلى وهي حجارة . ( 9 ) في ( ز ) تحسيرا . ( 10 ) في ( ظ ) حين . ( 11 ) الأنبياء ، 21 / 98 . ( 12 ) في ( ظ ) من .